ابن إدريس الحلي

155

السرائر

منها أن يكون الواقف مختارا ، مالكا للتبرع ، فلو وقف وهو محجور عليه لفلس لم يصح . ومنها أن يكون متلفظا بصريحه ، قاصدا له وللتقرب به إلى الله تعالى . والصريح من ألفاظه وقفت ، وحبست ، وسبلت . فأما قوله : تصدقت ، فإنه يحتمل الوقف وغيره ، إلا أن يقرن إليه قرينة تدل على أنه وقف ، مثل قوله : تصدقت صدقة لا تباع ولا توهب ، وغير ذلك . وكذا قوله : " حرمت وأبدت " لا يدل على صريح الوقف ، إلا أن يضم إلى ذلك ضميمة ، مع أنهما لم يرد بهما عرف الشرع ، فلا يحمل على الوقف إلا بدليل . ومن أصحابنا من اختار القول بأنه لا صريح في الوقف إلا قوله : " وقفت " دون " حبست وسبلت " وهو الذي يقوى في نفسي ، لأن الإجماع منعقد على أن ذلك صريح في الوقف ، وليس كذلك ما عداه . ولو قال تصدقت ونوى به الوقف صح فيما بينه وبين الله تعالى ، لكن لا يصح في الحكم ، لما ذكرناه من الاحتمال . ومنها أن يكون الموقوف معلوما ، مقدورا على تسليمه ، يصح الانتفاع به مع بقاء عينه في يد الموقوف عليه ، على ما قدمناه فيما مضى . ومنها أن يكون الموقوف عليه غير الواقف ، فلو وقف على نفسه لم يصح ، فأما إذا وقف شيئا على المسلمين عامة فإنه يجوز له الانتفاع به ، عند بعض أصحابنا ، قال : لأنه يعود إلى أصل الإباحة ، فيكون هو وغيره فيه سواء ، هذا إذا كان الوقف عاما كان حكمه كحكم غيره من الناس : الفقراء ، والمساكين ، وإن لم يكن عاما وكان مخصوصا بقوم معينين لم يجز له ذلك ، وإن كان ما وقفه دارا أو منزلا ، وكان وقفه لذلك عاما في ساير الناس ، مثل الدور التي ينزلها الحاج ، والخانات ، جاز له النزول فيها ، وإن لم يكن كذلك لم يجز له ذلك على حال . والذي يقوى عندي أن الواقف لا يجوز له الانتفاع بما وقفه على حال ، لما بيناه وأجمعنا عليه ، من أنه لا يصح وقفه على نفسه ، وأنه بالوقف قد خرج عن ملكه ، ولا يجوز عوده إليه بحال .